الشهيد نور الدين صوفي… سيرة مقاتل أممي حمل حلم الحرية حتى الشهادة

318

11/08/2025

الشهيد نور الدين صوفي، المعروف بـ”الصوفي”، قضى حياته في النضال من أجل حقوق شعبه وقضايا الحرية والكرامة. من مقاعد الدراسة في جامعة حلب إلى قيادة قوات الدفاع الشعبي في جبال كردستان، مرورًا بمشاركته الفاعلة في الثورة السورية وتأسيس الإدارة الذاتية، شكّل الصوفي نموذجًا للمخلص الذي جمع الفكر والثبات، وترك إرثًا خالدًا في مسيرة التحرر الكردي.

قامشلو… المدينة التي أنجبته

وُلد الصوفي عام 1970 في مدينة قامشلو، تلك المدينة التي كانت موطنًا للتنوع الثقافي والروحي، ومنارة للحركة الوطنية الكردية، إن انتماءه لقامشلو أعطى المدينة بُعدًا آخر من الفخر، إذ أصبح أحد أبرز أبنائها الذين بلغوا مراتب رفيعة في النضال والعمل التنظيمي، وجوده في الصفوف القيادية لم يكن شرفًا لشخصه فحسب، بل وسامًا على صدر مدينته التي أنجبته وربّته على قيم العزة والكرامة.

جذور المحبة والتسامح

نشأ الصوفي في أسرة كردية متصوفة مشهورة في منطقتها بالصدق ونقاء القلب، كان بيت العائلة ملاذًا للجميع لـ “العرب، والكرد، والسريان، والأرمن” على حد سواء، لم تعرف هذه الأسرة التفرقة أو الحقد، بل كانت المحبة هي اللغة الوحيدة التي يتقنها الجميع فيها.

“كان بيتنا مفتوحًا للجميع… لم نعرف يومًا الفرق بين ضيف وآخر” هذا ما قاله الصوفي خلال مراسم شهادة أحد أقربائه.

وفي كنف هذه البيئة المفعمة بالتسامح، ترعرع الصوفي طفلًا محبوبًا، متفوقًا في دراسته، شغوفًا بالعلم، ومحبًا للمطالعة والبحث.

من قاعات الجامعة إلى وعي النضال

ومع نهاية الثمانينات، التحق الصوفي بجامعة حلب، في قسم (R.F.K) عام 1989، كانت الحركة الطلابية الكردية في حلب تعيش أوج نشاطها، وكانت الساحات الجامعية تعج بالنقاشات السياسية والأفكار التحررية، في تلك الأجواء، بدأ وعيه السياسي يتشكل، وجذبته فكرة الدفاع عن حقوق الشعب الكردي، ورأى أن النضال طريق لا بد من سلوكه.

وكان يقول دائمًا: “لا يكفي أن نحلم بالحرية، علينا أن نسير نحوها بخطا ثابتة”.

القرار الحاسم

وفي عام 1990، اتخذ الصوفي قراره المصيري بالانضمام رسميًا إلى حزب العمال الكردستاني، تاركًا مقاعد الدراسة ليصعد إلى جبال كردستان، حيث تبدأ الحكاية الأصعب والأكثر ملحمية في حياته. وقد قال أخوه عنه: “أتذكر يوم رحيله… لم يكن خائفًا، كان يبتسم وكأنه ماضٍ إلى قدر يعرفه جيدًا”.

سنوات الجبال

وفي تسعينات القرن الماضي، عاش الصوفي بين القمم والوديان، يقود المعارك، ويخطط للعمليات، ويؤازر رفاقه في أشد اللحظات قسوة، لم يكن مجرد مقاتل، بل كان الأخ الأكبر الذي يلجأ إليه الجميع، حتى لُقِّب بـ “الخال”، وهو لقب يعكس ما كان عليه من حنان ودفء إنساني. “كان يرفض أن يتناول طعامه قبل أن يتأكد من أن المقاتلين قد تناولوا طعامهم”.

قيادة قوات الدفاع الشعبي

وفي عام 2008، تولى الصوفي منصب القائد العام لقوات الدفاع الشعبي (HPG)، الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، قاد هذه المسؤولية الكبيرة بإخلاص وحكمة، وظل قريبًا من المقاتلين، يعرفهم فردًا فردًا، ويعاملهم أخوة في السلاح والمصير.

العودة إلى روج آفا

مع اندلاع “ربيع الشعوب” عام 2011، عاد الصوفي إلى روج آفا، حيث كان من أبرز الشخصيات المشاركة في الثورة وبناء مؤسسات الإدارة الذاتية، لعب دورًا محوريًا في تنظيم الهياكل المدنية، ورأب الصدع بين الشعوب المختلفة بروح من الوحدة والشراكة.

“لم يكن يتحدث من برج عاجي، كان واحدًا منا، يجلس على الأرض ويشرب الشاي معنا”.

شخصية أممية بروح إنسانية

وكان الصوفي بحق شخصية أممية، لم يفرّق بين عربي وكردي، أو مسلم ومسيحي، أو أرمني وسرياني، في نظره، الجميع شركاء في الأرض والمصير، والحرية حق لا يتجزأ. “لو أردت أن تلخصه بكلمة فهي النقاء”.

إرث خالد

رحل الصوفي شهيدًا وهو في ذروة عطائه، تاركًا إرثًا من القيم والمبادئ التي آمن بها حتى النهاية، بقيت ذكراه حيّة في قلوب رفاقه وأبناء مدينته، الذين يتذكرونه بابتسامته الدافئة التي لم تغب حتى في أحلك اللحظات.

ختاماً

لم يكن الشهيد “نور الدين صوفي”، مجرد اسم في سجل الشهداء، بل قصة حياة استثنائية، بدأت في دروب قامشلو، وامتدت إلى جبال كردستان، وانتهت في ميادين النضال من أجل الحرية، ظل حتى آخر لحظة وفيًا لقضيته، ورحل تاركًا دربًا من الأمل لكل من آمن أن الحرية تستحق أن تُعاش وتُدافع عنها حتى الشهادة.

منقول….

التعليقات مغلقة.